يزيد بن محمد الأزدي

632

تاريخ الموصل

واشتد الاعتراك وحمى السلاح وثقل ، التفوا إلى علوائهم فوجدوهم قد انهزموا مع الميسرة وذهبوا بقعدهم وخيامهم ، فصبروا للقتال ، ومن انهزم منهم فإن جهده أن يمكنه نزع درع أو تجافيف لباس ، وخرج العدو من تحت كل صخرة كمين ، فسبقوا الناس إلى المضايق ، وكان أكثر من قتل بإقبال العدو إليه من أمامه ، واستحكمت الهزيمة ، وثبت محمد بن حميد مكانه وخانه « 1 » أكثر من كان معه من الثلاثين فارسا الذين كان انتخبهم فلم يبق معه « 2 » إلا رجل من النمر بن قاسط يقال له : حميد بن أبي الغسلق فإنه مضى معه فأخذ في واد يؤدى إلى البذ فلم ير لحميد النمري أثرا فقال له : أيها الأمير ما هذا طريق الهزيمة ولا المخرج إلى عسكرنا فارجع ، فرجعا جميعا يخترقان القتلى ، وبابك على الصخرة في مكانه ، وقد ضجت ناياته وهو ينظر إليهما ولا يظن أن هما هما ، وعلى صخرة من جانب الوادي - مما يلي مخرج الناس - زهاء أربعمائة رجل من الجند والمطوعة قد حصلوا عليها بعد الهزيمة وتحصنوا بها وعليها من الخرمية قدر ثلاثين رجلا - رجالة « 3 » يحاصرونهم ، فلما رأى محمد بن حميد المحاصرين من المسلمين قصدهم حتى صار إليهم ، فلما رأوه أنسوا به وقالوا : « انزل - أعز الله الأمير - حتى نحميك ونحمى أنفسنا نهارنا ، فإذا جن علينا الليل خرجنا إلى العسكر » فقال : « اسقونى ماء » فسقوه وغسل وجهه من حجر أصابه فقال له حميد بن أبي الغسلق : « أنا أنكر أن يكون محمد بن يوسف لا يرجع إلينا أو تكون الخيل تبلغ بالهزيمة الخندق » وأراد من حميد [ أن ] « 4 » يتعرف الخبر فقال له حميد : « أيها الأمير ما بي حركة » فنزل حميد عند المطوعة والجند المحاصرين وقرع محمد بن حميد فرسه مصاعدا تلقاء الخندق فإذا هو بعطعطة « 5 » ورهج قد ارتفع له من ذروة الجبل ، فتوهم أنه قد رجع محمد بن يوسف ، فقصد الرهج ، فإذا هو بجماعة من رجالة المسلمين قد أحدق بهم عدة من فرسان الخرمية يقاتلونهم ، فلما نظر إليه العدو علم أنه رجل جليل من القواد لما عليه من جودة السلاح ، وما على فرسه من التجافيف « 6 » ، فتركوا الرجالة وأقبلوا نحوه ، فشدوا عليه فتناولهم وصرع منهم ، ولم تعمل رماحهم فيه ،

--> ( 1 ) في المخطوطة : وهانته . ( 2 ) في المخطوطة : معهم . ( 3 ) في المخطوطة : يناصبونهم ، وهو تحريف ، انظر الكلام الآتي بعده . ( 4 ) زيادة يلتئم بها السياق . ( 5 ) عطعطة : تتابع الأصوات واختلافها في الحرب ، وهي أيضا حكاية أصوات المجان إذا قالوا : عيط عيط ، وذلك إذا غلب قوم قوما ، يقال : هم يعطعطون ، وقد عطعطوا . ينظر : لسان العرب ( 7 / 352 ) . ( 6 ) التجفاف : الذي يوضع على الخيل من حديد أو غيره في الحرب ، ذهبوا فيه إلى معنى الصلابة . ينظر : لسان العرب ( 9 / 30 ) .